(الرسالة:189)
"الفجر، والليالي العشر، والشفع والوتر في القرآن المجيد": لمولانا الإمام الأوحد شيخ المدرسة الربانية وحقائق العلوم اللدنية سيدي حضرة الشيخ عباس أفندي الحسني الخالدي المجددي قدس سره العزيز :ـ
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله ـ له الفضل والرحمات، وله في الدهر نفحات وتجليات ـ في الأزمنة والأمكنة والأنفاس، والصّلاة والسّلام على رسول الله ـ أفضل من عرف الله واتقاه، الذي أرسله ربنا ـ جلَّ وعلا، رحمةً مهداة، وعلى آله الأطهار، وأصحابه الكرام، وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم القرار ـ رضوان الله تعالى عليهم ما تعاقب الليل والنهار.
أمّا بَعْدُ: فقد قال الله تعالى: {وَالْفَجْرِ. وَلَيَالٍ عَشْرٍ. وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ}.
"أي سادة": أقسم الله ـ جلَّ جلاله، بالفجر، أي: أنه صباح فيه شهود وتجلي؛ كما قال تعالى: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ}، أي: بروح ونسيم، وعظيم ذلك؛ الطاعة والمحبة.
ـ وأقسم الحق ـ عزَّ وجلَّ، بالفجر؛ لأن فيه صلاة فاضلة معظمة تشهدها ملائكة الليل والنهار؛ كما قال ـ جلَّ ذكره: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}، ويسن تأخير صلاة الفجر، نصف ساعة بعد الأذان لتشهدها ملائكة الليل والنهار؛ كما قال أكمل الرسل ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر، وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون»، وفي أخرى لابن خزيمة: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ، فَإِذَا كَانَ صَلَاةُ الْفَجْرِ نَزَلَتْ مَلَائِكَةُ النَّهَارِ فَشَهِدُوا مَعَكُمُ الصَّلَاةَ جَمِيعًا، ثُمَّ صَعِدَتْ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ، وَمَكَثَتْ مَعَكُمْ مَلَائِكَةُ النَّهَارِ. فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ - وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ:- مَا تَرَكْتُمْ عِبَادِي يَصْنَعُونَ؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: جِئْنَا وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَتَرَكْنَاهُمْ يُصَلُّونَ»، ويشهدها كذلك الحق بذاته ـ جلَّ جلالُهُ، وعمَّ فضلُهُ ونوالُهُ؛ وما أجمل كذلك وأعظم فجر الليالي العشر من ذي الحجة، وفجر عرفات والنحر، فتأملوا.
قوله تعالى: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ}، وهي الليالي العشر من ذي الحجة، أو العشر الأواخر من رمضان؛ والأيام العشر من ذي الحجة هي أيام فيها يوم عرفة، والعشر الأواخر من رمضان فيها ليلة القدر؛ فأين المتنافسون فيهما.
"أي سادة": قال تعالى عن العشر الأوائل من ذي الحجة: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ}، وبما يقع فيهنَّ من العبادة والأذكار في الأركان الخمسة كلها؛ وكما قال أكمل الرسل ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ» يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ».
قوله تعالى:{وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ}، فالشفع هو العيد وأيام التشريق؛ كما قال ـ جلَّ ثناؤه: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ}، ومن ظِلال معاني الآي؛ جاء فعل الأمر في الأيام المعدودات، حتي لا يغفل العبد عن ذكر الله بعد رمضان، ولا بعد عرفات ليبقى عابداً حاضراً ذاكراً لله ـ عزَّ وجلَّ.
قال تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، وهو التكبير لعيد الفطر وعيد النحر وأيام التشريق، وما يقع من نسك الأضاحي العظيمة.
"أي سادة": بالعبادة والتكبير يكون عظيم الشكر لله ـ تبارك وتعالى، لقوله سبحانه: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، فالعمل مع الشكر، هو حقيقة الشكر؛ كما قال تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}.
وقوله تعالى: {وَالْوَتْرِ}، وهو: يوم عرفة لما فيه من الركن العظيم؛ كما قال ـ جلَّ مجده: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ}، وقال خاتم النبيين ـ صلوات الله عليه وعليهم أجمعين: «الْحَجُّ عَرَفَةُ»، وجعل الصيام لغير الحاج سنَّة عظيمة يكفر الله ذنوب سنتين؛ كما قال أكمل الرسل ـ صلّى الله عليه وسلّم: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ فِي السَّنَةِ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةِ الَّتِي بَعْدَهُ».
"أي إخوتي": استحق القسم من الحقِّ ـ جلَّ وعلا، لهذه المنازل العظيمة، والأيام والأماكن المباركة الجليلة؛ فإن لله خواص في الأزمنة والأمكنة والأشخاص، والحمد لله على فضله ما ظهر وما بطن، وعلى كرمه العميم في أوقات السنة كلها، بدينه وعطائه ونفحاته في أيام دهرنا، ربنا أنعمت فزد. والحمد لله ربِّ العالمين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق